الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

241

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأول . ولما جعل الخبر عن مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أَعْمالُهُمْ آل الكلام إلى أن مثل أعمال الذين كفروا كرماد . شبهت أعمالهم المتجمعة العديدة برماد مكدّس فإذا اشتدت الرياح بالرماد انتثر وتفرق تفرقا لا يرجى معه اجتماعه . ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اضمحلال شيء كثير بعد تجمعه ، والهيئة المشبهة معقولة . ووصف اليوم بالعاصف مجاز عقلي ، أي عاصف ريحه ، كما يقال : يوم ماطر ، أي سحابه . والرماد : ما يبقى من احتراق الحطب والفحم . والعاصف تقدم في قوله : جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ في سورة يونس [ 22 ] . ومن لطائف هذا التمثيل أن اختير له التشبيه بهيئة الرماد المتجمع ، لأن الرماد أثر لأفضل أعمال الذين كفروا وأشيعها بينهم وهو قرى الضيف حتى صارت كثرة الرماد كناية في لسانهم عن الكرم . وقرأ نافع وأبو جعفر اشتدت به الرياح . وقرأه البقية اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ بالإفراد ، وهما سواء لأن التعريف تعريف الجنس . وجملة لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ بيان لجملة التشبيه ، أي ذهبت أعمالهم سدى فلا يقدرون أن ينتفعوا بشيء منها . وجملة ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ تذييل جامع لخلاصة حالهم ، وهي أنها ضلال بعيد . والمراد بالبعيد البالغ نهاية ما تنتهي إليه ماهيته ، أي بعيد في مسافات الضلال ، فهو كقولك : أقصى الضلال أو جدّ ضلال ، وقد تقدم في قوله تعالى : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً في سورة النساء [ 116 ] . [ 19 ، 20 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 19 إلى 20 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 20 )